صالح حميد / عبد الرحمن ملوح

254

موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )

يحدثنا الصحابي الجليل كعب بن مالك الأنصاري عن تفاصيل بيعة العقبة الثانية فيقول : « خرجنا إلى الحج ، وواعدنا رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم بالعقبة من أوسط أيام التشريق . فنمنا تلك الليلة مع قومنا في رحالنا ، حتى إذا مضى ثلث الليل خرجنا من رحالنا لميعاد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، نتسلل تسلل القطا مستخفين . حتى اجتمعنا في الشعب عند العقبة ونحن ثلاثة وسبعون رجلا ومعنا امرأتان من نسائنا . فاجتمعنا في الشعب ننتظر رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم حتى جاءنا ومعه العباس بن عبد المطلب ، وهو يومئذ على دين قومه ، إلّا أنه أحب أن يحضر أمر ابن أخيه ويتوثق له : فلما جلس كان أول متكلم العباس بن عبد المطلب ، فقال : يا معشر الخزرج - قال : وكانت العرب إنما يسمون هذا الحي من الأنصار : الخزرج ، خزرجها وأوسها - : إن محمدا منا حيث قد علمتم وقد منعناه من قومنا ، ممن هو على مثل رأينا فيه ، فهو في عز من قومه ومنعة في بلده ، وإنه قد أبى إلّا الانحياز إليكم ، واللحوق بكم ، فإن كنتم ترون أنكم وافون له بما دعوتموه إليه ، ومانعوه ممن خالفه ، فأنتم وما تحملتم من ذلك ، وإن كنتم ترون أنكم مسلّموه وخاذلوه بعد الخروج به إليكم ، فمن الآن فدعوه ، فإنه في عز ومنعة من قومه وبلده . قال : فقلنا له لقد سمعنا ما قلت ، : فتكلم يا رسول اللّه ، فخذ لنفسك ولربك ما أحببت . قال : فتكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، فتلا القرآن ، ودعا إلى اللّه ورغب في الإسلام ثم قال : « أبايعكم على أن تمنعوني ممّا تمنعون منه نساءكم وأبناءكم » قال : فأخذ البراء بن معرور بيده ثم قال : نعم والذي بعثك بالحق نبيّا لنمنعنك مما نمنع منه أزرنا ، فبايعنا يا رسول اللّه ، فنحن واللّه أبناء الحروب وأهل الحلقة ، ورثناها كابرا عن كابر . قال : فاعترض القول ، والبراء يكلم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ، أبو الهيثم بن التّيهان ، فقال : يا رسول اللّه ، إن بيننا وبين الرجال حبالا ، وإنا قاطعوها - يعني اليهود - فهل عسيت إن نحن فعلنا ذلك ثم أظهرك اللّه أن ترجع إلى قومك وتدعنا ؟ قال : فتبسم رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم ثم قال : « بل الدّم الدّم ، والهدم الهدم ، أنا منكم وأنتم منّي ، أحارب من حاربتم ، وأسالم من سالمتم » . قال كعب : وقد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « أخرجوا إليّ منكم اثني عشر نقيبا ، ليكونوا على قومهم بما فيهم . فأخرجوا منهم اثني عشر نقيبا ، تسعة من الخزرج ، وثلاثة من الأوس » « 1 » . وبعد هذه البيعة ، قام العباس بن عبادة بن نضلة فقال لرسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : واللّه الذي بعثك بالحق ، إن شئت لنميلنّ على أهل منى غدا بأسيافنا « 2 » . فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم : « لم نؤمر بذلك ، ولكن ارجعوا إلى رحالكم » فرجعوا إلى رحالهم . وفي صباح اليوم التالي جاءهم جمع من كبار رجال قريش يسألونهم عما بلغهم من بيعتهم للنبي صلّى اللّه عليه وسلّم ودعوتهم له بالهجرة ، فحلف المشركون من الخزرج والأوس بأنهم لم يفعلوا ذلك ، والمسلمون ينظرون إلى بعضهم « 3 » وبذلك مرت هذه الأزمة بسلام ، وعاد الأنصار إلى يثرب وهم ينتظرون هجرة النبي صلّى اللّه عليه وسلّم والمسلمين بلهف كبير .

--> ( 1 ) ابن هشام - السيرة ، 1 / 278 - 9 ، وانظر البخاري - الصحيح ( فتح 8 / 57 ( حديث 7056 ) ، مسلم - الصحيح / 31470 ( حديث 1709 ) ، أحمد - الفتح الرباني 20 / 270 ، الحاكم - المستدرك 2 / 624 - 5 ، ابن كثير - البداية 3 / 175 . ( 2 ) ابن هشام - السيرة 2 / 101 - 102 . ( 3 ) المرجع السابق 1 / 439 - 43 ، 447 - 8 بإسناد حسن ، وقد صححه ابن حبان ، انظر : فتح الباري 7 / 221 ، وأورد ابن هشام رواية عن تثبت قريش من صحة الخبر وإدراكهم بأنهم قد خدعوا ، وخروجهم في طلب القوم ، وإدراكهم سعد بن عبادة وعودتهم به إلى مكة مغلولا وهم يعذبونه حتى أنقذه اللّه منهم بجوار جبير بن مطعم والحارث بن حرب له ( السيرة 2 / 103 - 104 ) .